ابن عربي

105

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

العقلاء وعلى كل من تقيد في تحصيل العلوم بطريق النظر الذي هو الفكر الصحيح والاستدلال وهبتهم من خلف الحجاب الأقدس معرفة مأخذ الأدلة بطريق الفكر الصحيح والاستدلال لأهل هذا الشأن خاصة فعرفوا منها على قدر ما أعطاهم نظرهم الذي هو هبتهم فكنّى عنها بالمتالد والمطارف ، وهو المثال المحدث والقديم ، فعبر بالقديم عن كل عالم علم أمرا ما بدليل نصبه غيره ، فاستفاده هذا المتأخر عنه والحديث هو الذي امتن اللّه عليه في علم ما ينصب دليل لاح له من فكره الصحيح لم يستفده من غيره في أصل وضعه ، فعن هذا كنّى بالمتالد والمطارف . ثم قال : المونقات مضاحكا ومباسما * الطّيبات مقبّلا ومراشفا الناعمات مجردا والكاعبات * منهّدا والمهديات ظرايفا وصفها بحسن المبسم عند التبسم والضحك إشارة إلى الفهوانية ، وإلى حصولها عنده من مقام الأنس والجمال والمودة كما كانت الإشارة من الحق تعالى لمحمد عليه السلام في نزول جبريل عليه السلام في صورة دحية ، وكان أجمل أهل زمانه فإنه يشير إلى أنه أي محمد ليس بيني وبينك إلا صورة الجمال تأنيسا له وتعريفا بما له عنده من جمال دحية أنه لما ورد المدينة ما رأته حامل إلا وضعت حملها من حينها من هيبة جماله فناء فيه وانخلاعا . وقوله : الطيبات مقبلا ومراشفا : هو ما كان منه له من القبول عند الخطاب والمراشف : هو ما ارتشفه منها عند المشاهدة ، والمشاهدة والخطاب لا يجتمعان عندنا لأنّ حقيقة منها تغنيه عن غيرها ، فلهذا لا يجتمعان أبدا ، وقوله : الناعمات مجردا . يشير إلى ما اكتسبه من العلوم من حاسة اللمس في حضرة المثال والتخيل إذا وقع التجلي المعنوي فيها ، وقوله : الكاعبات منهدا وهو التي صار نهدها كالكعب ، وهي أحسن ما تكون فيه الجارية ، يشير إلى أنّ محل حمل المعارف تجلى له ليشاهد كيف يتحمل المعارف الإلهية فيه حتى تؤديه المعارف المعتبرة به في أوان تربيته المقدرة له عند اللّه تعالى أخذه من هذا الوجه وهو مشهد عزيز ينظر إليه قوله تعالى : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [ الكهف : 51 ] وهو صورة تعلق القدرة بالمقدور حالة الإيجاد والمانع من ذلك معلوم عندنا لا يسع هذا الشرح بسطه لمنازعة الخصوم فيه ، وقوله : المهديات طرائفا ، هو ما ألقت عليه من معرفة نصب الأدلة على ما يحاوله من تحصيل العلوم لا غيره ، ثم قال : الخالبات بكل سحر معجب * عند الحديث مسامعا ولطائفا الساترات من الحياء محاسنا * تسبي بها القلب التقيّ الخائفا يقول : إنها تخطف العقول عن أصحابها عند إيرادها عليه ما تسمعه من الخطاب العجيب والكلام الحسن فلا تترك له سمعا يسمع به بعد هذا كونا من الأكوان من حيث كونه لكن من حيث ما هي فيه ، فبهذا يسمع حديث الأكوان كما ورد فيمن أحبه الحق